أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

442

شرح مقامات الحريري

المقامة التاسعة والأربعون وهي السّاسانيّة حكى الحارث بن همام قال : بلغني أنّ أبا زيد حين ناهز القبضة ، وابتزّه قيد الهرم النّهضة ، أحضر ابنه ، بعد ما استجاش ذهنه ، وقال له : يا بني إنّه قد دنا ارتحالي من الفناء ، واكتحالي بمرود الفناء ، وأنت بحمد اللّه وليّ عهدي ، وكبش الكتيبة السّاسانيّة من بعدي . ومثلك لا تقرع له العصا ، ولا ينبّه بطرق الحصا ؛ ولكن قد ندب إلى الإذكار ، وجعل صيقلا للأفكار ، وإنّي أوصيك بما لم يوص به شيث الأنباط ، ولا يعقوب الأسباط ؛ فاحفظ وصيّتي ، وجانب معصيتي ، واحذ مثالي ، وافقه أمثالي ، فإنّك إن استرشدت بنصحي ، واستصبحت بصبحي ، أمرع خانك ، وارتفع دخانك ، وإن تناسيت سورتي ، ونبذت مشورتي ، قلّ رماد أثافيك ، وزهد أهلك ورهطك فيك . * * * ناهز : قارب . القبضة ، أراد بها ثلاثا وتسعين سنة ، لأنك إذا قيل لك : اعقد في يديك ثلاثا وتسعين قبضت أصابعك كلها وشددت عليها الإبهام ، والمعنى أنه قارب المائة الّتي ليس في العيش بعدها منفعة ، والشعراء يضمّنونها أشعارهم إذا وصفوا البخيل بقبض الكف ، قال الخليل بن أحمد : [ المتقارب ] وكفّ عن الخير مقبوضة * كما قبضت مائة سبعه « 1 » وقال : [ الوافر ] فما تسعون تخفرها ثلاث * يضمّ حسابها رجل شديد بكفّ خرقة جمعت لوجء * بأنكد من عطائك يا يزيد وابتزّه : سلبه . الهرم : كبر السّن . النهضة : القيام إلى ما يريد . ودخل هشام بن عبد مناف وقد أسنّ على فتية من قومه فقاموا إليه إجلالا ، وأجلسوه في أرفع موضع ، فقال : بارك اللّه فيكم ، إن بني مرّة كانوا إذا شاخ عندهم الرجل قيّدوه وقالوا له : ثب ، أحبّوه . وقالوا : فيك بقية ، وإن لم يثب قالوا : ليس في هذا منفعة فقتلوه ، وقال ابن الرومي : [ السريع ]

--> ( 1 ) البيت للخليل بن أحمد الفراهيدي في لسان العرب ( شرع ) ، وتهذيب اللغة 1 / 427 ، وتاج العروس ( شرع ) ، وكتاب العين 1 / 253 .